الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
238
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
قوله لما هو بين من أن العلة في الترك إلى آخره يمكن أن يقال إنه قد يكون مجرد وجود الصارف وعدم الداعي إلى الفعل كافيا في ترك المأمور به من دون حاجة إلى حصول ضد من أضداده وقد لا يكون ذلك كافيا ما لم يحصل الضد كما إذا نذر البقاء على الطهارة في مدة معينة يمكن البقاء عليها فإنه إذا تطهر لم يمكن رفعها إلا بإيجاد ضدها ومجرد انتفاء الداعي إلى البقاء عليها لا يكفي في انتفائهما فيتوقف رفعها إذن على وجود الضد الخاص فيكون وجود ذلك الضد هو السبب لترك المأمور به وإن كان مسبوقا بالإرادة وهكذا الحال في الصوم بعد انعقاده إن قلنا بعدم فساده بارتفاع نية الصوم ولا يقضي ذلك حينئذ بورود الدور نظرا إلى توقف فعل أحد الضدين على ترك الآخر لما عرفت من اختلاف الحال في الأضداد كما مرت الإشارة إليه قوله إلا على سبيل الإلجاء نظرا إلى أنه مع انتفاء الصارف من قبله يكون مريدا له بالإرادة الجازمة الباعثة على الفعل فلا محالة يقع منه الفعل لولا حصول مانع من الخارج يمنعه من الجري على مقتضى إرادته وهو ما ذكره من الإلجاء فيسقط معه التكليف بالواجب وينتفي الأمر وهو خروج عن محل البحث ومع ذلك فلا يكون الباعث على ترك الحرام حينئذ فعل الضد المفروض إذ الإلجاء على فعل الضد كما يكون سببا لحصول الضد كذلك يكون سببا لترك الآخر لما عرفت من عدم كون الضد شرطا في وجود ضده فيتقدم عليه رتبة فإن لم يكن منتفيا كان الباعث على وجود أحدهما قاضيا بعدم الآخر حسبما مرت الإشارة إليه فلا وجه لعد وجود الضد حينئذ سببا لانتفاء الآخر كما قد يتراءى من ظاهر كلامه ويمكن أن ينزل كلامه على بيان الفساد في الوجه المذكور في الجملة فلا ينافي فساده من جهة أخرى قوله لظهور أن الصارف الذي هو الضد إلى آخره لا يخفى أن إرادة أحد الضدين على وجه الجزم كما يوجب حصول ذلك الضد كذا يقضي بارتفاع الضد الآخر فيكون المقتضي لوجود أحدهما صارفا عن الآخر لكن لا يتعين الصارف عنه بذلك إذ كما يستند انتفاء الضد إلى ذلك فكذا يمكن استناده إلى انتفاء غيره من شروط وجوده أو وجود المانع عنه ولو اجتمع ذلك مع فعل الضد لم يمنع من استناد الترك إلى الأول نظرا إلى سبقه على فعل الضد فيكون الترك مستندا إليه ويكون فعل الضد حينئذ مقارنا محضا حسبما مر إلا أن الكلام هنا فيما إذا استند ترك المأمور به إلى إرادة ضده فيكون انتفاء المأمور به من جهة السبب الداعي إلى ضده فيشتركان في العلة والقول بأن النسب الداعي إلى ضده لا يكون سببا لتركه بل إنما يقضي ذلك بعدم إرادة المأمور به نظرا إلى استحالة اجتماع الإرادتين فإنما الصارف في الحقيقة هو عدم إرادة الفعل كما في غير هذه الصورة حسبما مر دون السبب الداعي إلى الضد بيّن الدفع إذ أقصى الأمر حينئذ بعد تسليم ما ذكر أن يكون السبب الداعي سببا بعيدا بالنسبة إليه وذلك لا يمنع من كونهما معلولي علة واحدة إذ لا يعتبر فيه أن تكون العلة قريبة بالنسبة إليها بل يعم القريبة أو البعيدة فقد تكون العلة المشتركة بعيدة بالنسبة إليهما أو تكون قريبة بالنسبة إلى أحدهما بعيدة بالنظر إلى الآخر ومن هنا يتجه الكلام المذكور إذا نوقش في استناد عدم إرادة الفعل إلى إرادة ضده نظرا إلى كون الإرادتين ضدين فيتوقف وجود أحدهما على ارتفاع الآخر حسبما عرفت من توقف وجود الشيء على ارتفاع المانع منه فلا بدّ أولا من ارتفاع إرادة الفعل حتى يتحقق معه إرادة الضد أو نقول حينئذ إنه لو لم يكن إرادة الفعل منتفية لأسباب أخر فلا بد من استناد انتفائها إلى أسباب تلك الإرادة فالسبب القاضي بإرادة الضد قاض بنفي تلك الإرادة وهو كاف في المقام إذ لا فرق بين زيادة بعد السبب وقلته وقد يدفع ذلك بأنّ الإرادة الداعية إلى الضد شرط في إيجاده وليس سببا لحصوله كما سيشير المصنف رحمه الله إليه فكونها علة لترك الفعل لا يقضي باشتراك الأمرين في السبب ويمكن أن يقال إن الإرادة الجازمة وإن كان شرطا في تحقق الفعل إلا أنه جزء أخير للعلة التامة فيكون في معنى السبب بل قد يفسر السبب في كلام المصنف بالجزء الأخير للعلة التامة على أنه قد يقال بأن السبب في المقام ليس مخصوصا بالأسباب العقلية بل يعم العادية أيضا والإرادة الجازمة المسماة بالإجماع تعد عادة سببا لحصول الفعل فتأمل قوله نعم هو مع إرادة الضد إلى آخره أورد عليه الفاضل المحشي بأنه لا توقف للضد على وجود الصارف المذكور أصلا وإنما هو المقارنة من الجانبين بلا توقف في البين وهذا الكلام مبني على ما اختاره سابقا من عدم توقف وجود أحد الضدين على ارتفاع الآخر وإنما يكون بينهما مجرد المقارنة حسبما مر تفصيل القول فيه وقد بيناه هناك وهن ذلك وأن حصول التوقف في المقام مما لا مجال للريب فيه فيكون ما ذكره هنا فاسدا أيضا قوله فلا حكم فيهما بواسطة ما هما مقدمة أورد عليه الفاضل المحشي بأن تسليم وجود السبب بمعنى العلة التامة يستلزم وجوب كل جزء من أجزائه إذ جزء الواجب واجب اتفاقا فلا يتصور بعد تسليم وجوب السبب منع وجوب كل واحد مما ذكر وحينئذ كونهما جزءين للعلة فلعل المراد بالسبب هنا وفي بحث المقدمة الواجب هو الجزء الأخير من العلة التامة الذي هو علة قريبة للفعل قلت قد مر تفصيل الكلام في المراد بالسبب في المقام في بحث المقدمة فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه وما ذكره من وجوب الأجزاء قطعا عند وجوب الكل غير متجه كما عرفت الحال فيه في بحث المقدمة وقد بينا هناك أن الكلام في الأجزاء كالكلام في المقدّمات إثباتا ونفيا من غير فرق بينهما في ذلك وأن ما يقطع به هو وجوب الأجزاء بوجوب الكل لا بوجوب آخر لأجل الكل كما هو الحال في المقدمة وقد عرفت أن وجوب المقدمات بوجوب الواجب تبعا مما لا مجال للريب فيه أيضا وأنه مما لا ينبغي وقوع الخلاف فيه فكان ما نفاه من الخلاف في وجوب الأجزاء عند وجوب الكل هو الوجوب بالمعنى المذكور دون غيره وقد مرّ بيان ذلك ثم إنك قد عرفت أن عدّ الإرادة الجازمة المسماة بالإجماع المتعقبة للفعل جزما من جملة الشرائط لا يخلو عن تأمل بل لا يبعد إدراجها في السبب بمعنى الجزء الأخير للعلة التامة أو بمعنى المقتضي للفعل بحسب العادة كما مرت الإشارة إليه قوله فإذا أتى به المكلف عوقب عليه من تلك الجهة إلى آخره هذا الكلام ظاهر في ترتب العقاب على ترك المقدمة وقد عرفت ضعفه وقد يحمل ذلك على إرادة ترتب العقاب عليه من حيث أدائه إلى الحرام فيتحد العقاب المترتب عليه وعلى ما يؤدي ذلك إليه حسبما مر الكلام فيه وكيف كان فالحاصل من كلامه أن الصارف وإن كان محرما من حيث كونه علة لترك المأمور به لكنه ليس علة للضد حتى يقضي تحريمه بتحريم الضد لئلا يمكن الحكم بوجوبه وأنت خبير بأن المتلازمين إذا لم يكن بينهما علية ولا مشاركة في علته وإن جاز اختلافهما في الحكم حسبما ذكره لكن لا يصح الحكم بوجوب أحدهما وحرمة الآخر وإن اختلف محل